السيد كمال الحيدري

272

اللباب في تفسير الكتاب

من هنا بذل الإسلام جهداً كبيراً لتقرير كلمة الفصل في هذه الحقيقة ، هذا الجهد الذي تمثّله النصوص القرآنيّة الكثيرة التي أكّدت وبشكل مكرّر أن لا ربّ سواه تعالى ، كما في الآية محلّ البحث . وقد لا يدرك الإنسان مدى الحاجة إلى هذا البيان المؤكّد والمكرّر ، وإلى كلّ هذا التدقيق الذي تتبّع كلّ مسالك الضمير ، ما لم يقف على ذلك الركام من العقائد والتصوّرات والأساطير والأوهام والتيه الشامل الذي كانت البشريّة تهيم فيه . لكن مراجعة ذلك الركام الثقيل تكشف عن ضرورة ذلك الجهد المتطاول ، كما تكشف عن مدى عظمة الدور الذي قامت به هذه العقيدة وتقوم في تحرير الضمير البشرى وإعتاقه من عناء التخبّط بين شتّى الأرباب وشتّى الأوهام ( يَا صَاحِبَىِ السِّجْنِ أَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) ( يوسف : 39 ) . والخلاصة : إنّ إطلاق الربوبيّة في هذه السورة وشمول هذه الربوبيّة للعالمين جميعاً ، هو مفرق الطريق بين النظام والفوضى في العقيدة ، لتتّجه العوالم كلّها إلى ربّ واحد ، تقرّ له بالسيادة المطلقة وتنفض عن كاهلها زحمة الأرباب المتفرِّقة ، ثمّ ليطمئنّ ضمير هذه العوالم إلى رعاية الله الدائمة وربوبيّته القائمة ، وإلى أنّ هذه الرعاية لا تنقطع أبداً ولا تفتر ولا تغيب ؛ قال تعالى : ( اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ) ( البقرة : 255 ) . الثالثة : بحث عقلىّ في إثبات توحيد الربوبيّة يقوم أساس هذا الدليل العقلي على أنّ الربوبيّة والتدبير حقيقةً يعودان إلى الخالقيّة ، وأنّ الخالقيّة تعنى الربوبيّة والتدبير . توضيح ذلك : مرّ أنّ ربوبيّة العالم وتدبيره يعنيان نظم العالم نظماً متقناً يؤدّى إلى إيصاله لكماله المطلوب وتحقّق الغرض المنشود والغاية المترتّبة من وجوده . والسؤال : هل توجد روابط بين أجزاء هذا العالم ؟ والجواب واضح